تفسير الازمة للمبتدئين
يعيش "محمود عيد" مع عائلته في شقة مستأجرة وراتبه ينتهي دائما قبل نهاية الشهر. حلم محمود أن يمتلك بيتاً في "سيتى الاهرام"، ويتخلص من الشقة التي يستأجرها بمبلغ 600 جنية مصري شهرياً. ذات يوم فوجئ محمود بأن زميله في العمل، محمد عيسى، اشترى بيتاً بالتقسيط. ما فاجأ محمود هو أن راتبه الشهري هو راتب عيسى نفسه، وكلاهما لا يمكنهما بأي شكل من الأشكال شراء سيارة مستعملة بالتقسيط، فكيف ببيت؟ لم يستطع محمود أن يكتم مفاجأته فصارح عيسى بالأمر، فأخبره عيسى أنه يمكنه هو أيضاً أن يشتري بيتا مثله، وأعطاه رقم تلفون المكتب العقاري الذي اشترى البيت عن طريقه. لم يصدق محمود كلام عيسى، لكن رغبته في تملك بيت حرمته النوم تلك الليلة، وكان أول ما قام به في اليوم التالي هو الاتصال بالمكتب العقاري للتأكد من كلام عيسى، ففوجئ بالاهتمام الشديد، وبإصرار الموظفة "سهام نصابين" على أن يقوم هو وزوجته بزيارة المكتب بأسرع وقت ممكن. وشرحت سهام لمحمود أنه لا يمكنه الحصول على أي قرض من أي بنك بسبب انخفاض راتبه من جهة، ولأنه لا يملك من متاع الدنيا شيئا ليرهنه من جهة أخرى. ولكنها ستساعده على الحصول على قرض، ولكن بمعدلات فائدة عالية. ولأن سهام تحب مساعدة "العمال والكادحين" أمثال محمود فإنها ستساعده أكثر عن طريق تخفيض أسعار الفائدة في الفترة الأولى حتى "يقف محمود على رجليه". كل هذه التفاصيل لم تكن مهمة لمحمود. المهم ألا تتجاوز الدفعات 600جنية شهريا.باختصار، اشترى محمود بيتاً في شارع "البؤساء" دفعاته الشهرية تساوي ما كان يدفعه إيجاراً للشقة. كان محمود يرقص فرحاً عندما يتحدث عن هذا الحدث العظيم في حياته: فكل دفعة شهرية تعني أنه يتملك جزءا من البيت، وهذه الدفعة هي التي كان يدفعها إيجارا في الماضي. أما البنك، "بنك التسليف الشعبي او التمويل العقاري"، فقد وافق على إعطائه أسعار فائدة منخفضة، دعما منه "لحصول كل مواطن على بيت فى مشروع ابنى بيتك"، وهي العبارة التي ذكرها رئيس الجمهورية فى برنامجة الانتخابي،" محمد كوبري مبارك العلوى"، في خطابه السنوي في مجلس رؤساء الحته. مع استمرار أسعار البيوت في الارتفاع، ازدادت فرحة محمود، فسعر بيته الآن أعلى من الثمن الذي دفعه، ويمكنه الآن بيع البيت وتحقيق أرباح مجزية. وتأكد محمود من هذا عندما اتصل ابن عمه راجى ليخبره بأنه نظرا لارتفاع قيمة بيته بمقدار عشرة آلاف جنية فقد استطاع الحصول على قرض قدره 30 ألف جنية من البنك مقابل رهن جزء من البيت. وأخبره أنه سينفق المبلغ على الإجازة التي كان يحلم بها في مصيف جمصة، وسيجري بعض التصليحات في البيت. أما الباقي فإنه سيستخدمه كدفعة أولية لشراء سيارة جديدة. القانون لا يحمي المغفلينإلا أن صاحبنا محمود وزميله عيسى لم يقرآ العقد والكلام الصغير المطبوع في أسفل الصفحات. فهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة متغيرة وليست ثابتة. هذه الأسعار تكون منخفضة في البداية ثم ترتفع مع الزمن. وهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة سترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة. وهناك فقرة أخرى تقول إنه إذا تأخر عن دفع أي دفعة فإن أسعار الفائدة تتضاعف بنحو ثلاث مرات. والأهم من ذلك فقرة أخرى تقول إن المدفوعات الشهرية خلال السنوات الثلاث الأولى تذهب كلها لسداد الفوائد. هذا يعني أن المدفوعات لا تذهب إلى ملكية جزء من البيت، إلا بعد مرور ثلاث سنوات. بعد أشهر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة فارتفعت الدفعات الشهرية ثم ارتفعت مرة أخرى بعد مرور عام كما نص العقد. وعندما وصل المبلغ إلى 950 جنية تأخر محمود في دفع الدفعة الشهرية، فارتفعت الدفعات مباشرة إلى 1200 جنية شهريا. ولأنه لا يستطيع دفعها تراكمت عقوبات إضافية وفوائد على التأخير وأصبح محمود بين خيارين، إما إحضار البامبرز لأبنة أثر وإما دفع الدفعات الشهرية، فاختار الأول، وتوقف عن الدفع. في الجمعية اكتشف محمود أن زميله عيسى قد طرد من بيته وعاد ليعيش مع أمه مؤقتا بقرية ميت ياعيش بميت غمر، واكتشف أيضاً أن قصته هي قصة عديد من زملائه فقرر أن يبقى في البيت حتى تأتي الشرطة بأمر الإخلاء. مئات الألوف من "موظفي المجتمع المدنى " عانوا المشكلة نفسها، التي أدت في النهاية إلى انهيار أسواق العقار. أرباح البنك الذي قدم قرضا لمحمود يجب أن تقتصر على صافي الفوائد التي يحققها من هذا القرض، ولكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. قام البنك ببيع القرض على شكل سندات لمستثمرين أحمد عز وبهجت وساويرس، وأخذ عمولة ورسوم خدمات منهم. هذا يعني أن البنك كسب كل ما يمكن أن يحصل عليه من عمولات وحول المخاطرة إلى المستثمرين. المستثمرون الآن يملكون سندات مدعومة بعقارات، ويحصلون على عوائد مصدرها مدفوعات محمود وعيسى الشهرية. هذا يعني أنه لو أفلس محمود أو عيسى فإنه يمكن أخذ البيت وبيعه لدعم السندات. ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا هذه السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل ديون جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات. نعم، استخدموا ديونا للحصول على مزيد من الديون! المشكلة أن البنوك تساهلت كثيرا في الأمر لدرجة أنه يمكن استدانة 30 ضعف كمية الرهن. باختصار، محمود يعتقد أن البيت بيته، والبنك يرى أن البيت ملكه أيضاً. المستثمرون يرون أن البيت نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات. وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض، بنك "ناصر الاجتماعى والاسكان والتعمير"، يعتقد أن هناك بيتا في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، إلا أن كمية الديون تبلغ نحو 30 ضعف قيمة البيت! أما راجى، ابن عم محمود، فقد أنفق جزءا من القرض على إجازته وإصلاح بيته، ثم حصل على سيارة جديدة عن طريق وضع دفعة أولية قدرها ألفا جنية، وقام بنك "باركليز" بتمويل الباقي. قام البنك بتحويل الدين إلى سندات وباعها إلى بنك استثماري اسمه "التجارى الدولى"، الذي احتفظ بجزء منها، وقام ببيع الباقي إلى صناديق استثمار وصناديق سيادية في أنحاء العالم كافة. راجى يعتقد أنه يمتلك السيارة، وبنك "باركليز" يعتقد أنه يملك السيارة، وبنك "التجارى الدولى" يعتقد أنه يمتلك السيارة، والمستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تدعمها. المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة بيت محمود، وبما أن قيمة السندات وعوائدها تعتمد على تقييم شركات التقييم هذه السندات بناء على قدرة المديون على الوفاء، وبما أنه ليس كل من اشترى البيوت له القدرة نفسها على الوفاء، فإنه ليست كل السندات سواسية. فالسندات التي تم التأكد من أن قدرة الوفاء فيها ستكون فيها أكيدة ستكسب تقدير "أأأ"، وهناك سندات أخرى ستحصل على "ب" وبعضها سيصنف على أنه لا قيمة له بسبب العجز عن الوفاء. لتلافي هذه المشكلة قامت البنوك بتعزيز مراكز السندات عن طريق اختراع طرق جديدة للتأمين بحيث يقوم حامل السند بدفع رسوم تأمين شهرية كي تضمن له شركة التأمين سداد قيمة السند إذا أفلس البنك أو صاحب البيت، الأمر الذي شجع المستثمرين في أنحاء العالم كافة على اقتناء مزيد من هذه السندات. وهكذا أصبح محمودوعيسى وراجى أبطال الاقتصاد العالمي الذي تغنى به الكاتب "وليد سيد". في النهاية، توقف محمود عن سداد الأقساط، وكذلك فعل عيسى وراجى وغيرهم، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة. أما الذين اشتروا تأمينا على سنداتهم فإنهم حصلوا على قيمتها كاملة، فنتج عن ذلك إفلاس شركة التأمين "خد فطيرك". عمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تخفيف المخاطر عن طريق التخفيض من عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية، وبدأت بوادر الكساد الكبير بالظهور، الأمر الذي أجبر حكومتنا على زيادة السيولة عن طريق ضخ كميات هائلة لإنعاش الاقتصاد الذي بدأ يترنح تحت ضغط الديون للاستثمار في الديون! أما "وليد سيد" فقد قرر أن يكسب مزيدا من الملايين حيث سينتهي من كتابة قصة محمود قريباً بالاسواق ومع الباعة الجائلين .
الخميس، ٩ أكتوبر ٢٠٠٨
الازمة الاقتصادية للأطفال
مرسلة بواسطة بسم الاله الشعب رب المضربين الصايم المحروم على طول السنين في الخميس, أكتوبر ٠٩, ٢٠٠٨ 0 التعليقات
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)







